عن ذا نيويوركر
بقلم: إسحاق شوتينر
14 آذار/مارس 2026
خلاصة تحليلية:
يرى يهودا شاؤول أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل انتقالاً من سياسة السيطرة التدريجية إلى تسارع فعلي في مشروع الضم، عبر توسيع المستعمرات، وشرعنة البؤر الاستيطانية، والسيطرة على المناطق المفتوحة، ودفع الفلسطينيين إلى جيوب سكانية ضيقة داخل المناطق المبنية. ويؤكد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر، استغلت الظرف السياسي لتسريع أجندتها الأكثر تطرفاً، بما في ذلك إضعاف السلطة الفلسطينية، واستهداف الأونروا، وتعزيز الوجود الاستيطاني. كما يشير إلى تصاعد عمليات الهدم والتهجير وعنف المستعمرين، مع انتقال العلاقة بين الجيش والمستعمرين إلى مستوى غير مسبوق من الاندماج، خاصة عبر تجنيد وحدات دفاع إقليمية تضم مستعمرين. ويعتبر أن نقل الصلاحيات المدنية في الضفة إلى جهات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني يشكل ضماً إدارياً فعلياً، وأن استمرار سياسة حصر الفلسطينيين في مساحات متقلصة مع توسيع السيطرة الإسرائيلية يفاقم أسباب الصراع ويقوض أي إمكانية لتحقيق تقرير المصير الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء.
شهدت السنوات القليلة الماضية ترسيخاً متزايداً للسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع زيادة كبيرة في عدد المستعمرات "المرخصة" والبؤر الاستيطانية غير المرخصة. كما تصاعد العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وقُتل أكثر من ألف شخص منذ السابع من أكتوبر، وفقاً للأمم المتحدة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حذر حكومة نتنياهو بشكل خجول من ضم الضفة الغربية رسمياً، إلا أن نتنياهو يبدو مقتنعاً بإمكانية مواصلة سياساته التوسعية دون التعرض لعقوبات أمريكية. بل إن إدارة ترامب أعلنت قبل أكثر من أسبوعين، عبر سفارتها في القدس، عن تقديم خدمات جوازات سفر مؤقتة للمواطنين الأمريكيين المقيمين في مستعمرتين إسرائيليتين في الضفة الغربية.
لفهم ما يجري في الضفة الغربية، أجرى الكاتب مقابلة مع يهودا شاؤول، وهو أيضاً أحد مؤسسي مركز "أوفيك" الإسرائيلي للشؤون العامة، وهو مركز أبحاث مستقل مقره القدس. وخلال المقابلة ناقش الطرفان آليات السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، والعلاقة المتزايدة بين الحركة الاستيطانية والمؤسسة العسكرية، وكيف ساهمت أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة في تسريع التوسع الاستيطاني.
هل ما يحدث اليوم يختلف عما جرى خلال العقود الماضية؟
يقول شاؤول إن جزءاً كبيراً مما يجري اليوم يمثل استمراراً وتطوراً لسياسات قائمة منذ عقود، إلا أن هناك أيضاً عناصر جديدة أكثر ثورية من كونها تطورية.
ويضيف:
"الخلاصة هي أننا نشهد تسارعاً كبيراً في عملية الضم، في ظل إعلان واضح بأن الهدف هو دفن إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل في المستقبل."
ويرى أن الضفة الغربية تشهد تسارعاً في ما يصفه بسياسة "التطهير العرقي"، تتجاوز مجرد نقل التجمعات الفلسطينية قسراً لصالح المستعمرين الإسرائيليين.
ويقول:
"الهدف في الضفة الغربية هو خلق فضاء متجانس عرقياً يجري تطهيره من الفلسطينيين، مع توسيع الحضور الإسرائيلي فيه. ولهذا أستخدم مصطلح التطهير العرقي، ولا أستخدمه باستخفاف."
ويضيف أن هناك محاولة مستمرة لحصر الفلسطينيين في مساحات أصغر فأصغر.
فمنذ نحو خمسة عشر عاماً أطلق الإسرائيليون ما سموه "المعركة على المنطقة ج"، بهدف السيطرة على نحو 60% من مساحة الضفة الغربية المصنفة منطقة (ج) وفق اتفاقيات أوسلو، ودفع الفلسطينيين إلى 165 جيباً منفصلاً في المنطقتين (أ) و(ب).
ويقول:
"أعتقد أننا تجاوزنا هذه المرحلة الآن. لم يعد الأمر يقتصر على تطهير المنطقة ج، بل يتعلق بالسيطرة على كامل الفضاء المفتوح وحصر الفلسطينيين ليس فقط في المنطقتين أ وب، بل داخل المناطق المبنية فيهما، أي داخل المراكز الحضرية. نحن عملياً نفكك أوسلو."
ماذا كانت رؤية اتفاقيات أوسلو؟
يوضح شاؤول أن الفكرة الأساسية لاتفاقيات أوسلو كانت الانتقال التدريجي نحو تسوية نهائية خلال خمس سنوات.
فالمناطق (أ) كانت ستخضع لإدارة السلطة الفلسطينية أمنياً ومدنياً، بينما تتولى السلطة الشؤون المدنية في المناطق (ب) مع تقاسم المسؤولية الأمنية مع إسرائيل، في حين تبقى المناطق (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي.
وكان من المفترض أن تتحول غالبية أراضي الضفة الغربية لاحقاً إلى منطقتي (أ) و(ب)، لكن ما حدث فعلياً هو بقاء نحو 60% من مساحة الضفة الغربية ضمن المنطقة (ج).
ويشير إلى أن أكثر من 300 ألف فلسطيني يعيشون في هذه المناطق التي بقيت تحت الإدارة الإسرائيلية الكاملة.
هدم وتهجير وعنف مستعمرين
يقول شاؤول إن إحدى الوسائل الأساسية المستخدمة لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل تتمثل في منعهم من الحصول على تراخيص البناء.
فبحسب معطياته، يتم رفض نحو 98% من طلبات البناء المقدمة من الفلسطينيين في المنطقة (ج)، ما يدفعهم إلى البناء دون ترخيص.
ومنذ عام 1988 أصدرت إسرائيل أكثر من 22 ألف أمر هدم بحق منشآت فلسطينية، بمعدل يقارب ألف أمر سنوياً خلال السنوات الأخيرة.
إلا أنه يعتبر أن العامل الأهم في التهجير خلال السنوات الأخيرة كان تصاعد عنف المستعمرين.
ووفقاً لمنظمتي السلام الآن وكيرم نافوت، تم تهجير أكثر من 60 تجمعاً فلسطينياً رعويّاً وزراعياً بسبب عنف المستعمرين، وخاصة بعد السابع من أكتوبر.
قفزة استيطانية غير مسبوقة
يؤكد شاؤول أن الاستيطان مشروع تقوده الدولة بشكل مباشر.
فبين منتصف التسعينيات وحتى نهاية عام 2022، صادقت الحكومات الإسرائيلية رسمياً على عدد محدود من المستعمرات الجديدة.
أما منذ وصول الحكومة الحالية إلى السلطة في ديسمبر 2022 فقد صادقت إسرائيل بين عامي 2023 و2025 على نحو 70 مستعمرة جديدة.
كما يشير إلى أن إسرائيل دعمت بين أوائل التسعينيات وعام 2022 إقامة 187 بؤرة استيطانية غير مرخصة.
لكن منذ تولي الحكومة الحالية السلطة جرى إنشاء نحو 180 بؤرة إضافية خلال فترة قصيرة فقط.
ويقول إن الضفة الغربية تشهد حالياً:
- أعلى معدلات إنشاء وحدات استيطانية.
- أعلى معدلات هدم للمساكن الفلسطينية.
- أعلى معدلات إعلان "أراضي دولة" منذ اتفاقيات أوسلو.
أما فيما يتعلق بعنف المستعمرين، فيشير إلى أن الأمم المتحدة سجلت عام 2006 نحو 117 حادثة فقط أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات.
وارتفع العدد إلى أكثر من 300 حادثة عام 2018.
ثم إلى أكثر من 800 حادثة عام 2022.
وفي عام 2025 وحده تم تسجيل 1828 حادثة.
ويعلق قائلاً:
"هل عنف المستعمرين ظاهرة جديدة؟ لا. لكننا وصلنا إلى ذروة غير مسبوقة، وعند نقطة معينة تتحول الكمية إلى نوعية."
إلى أي مدى يتم كل ذلك وفق القانون الإسرائيلي؟
يرى شاؤول أن غالبية ما يوصف بأنه "خارج القانون" يجري في الواقع بدعم مباشر من مؤسسات الدولة.
فالبؤر الاستيطانية الرعوية، التي يقيمها أحياناً عدد محدود من المستعمرين على قمم التلال، تحصل سريعاً على الطرق المعبدة والمياه والكهرباء والبنية التحتية.
ويتساءل:
"من يدفع ثمن ذلك؟ ومن يبني هذه البنية التحتية؟"
ويجيب بأن الجهة الرئيسية هي شعبة الاستيطان التابعة لـ المنظمة الصهيونية العالمية، التي تعمل بتمويل حكومي إسرائيلي كامل.
كما يشير إلى قرار حكومي جديد يقضي بإعادة فتح إجراءات تسجيل ملكية الأراضي في الضفة الغربية، وهو إجراء متوقف منذ عام 1968.
وبموجب هذا النظام يصبح على الفلسطينيين إثبات ملكيتهم للأراضي عبر وثائق تعود للعهدين العثماني أو البريطاني أو الإدارة الأردنية.
أما الأراضي التي لا يستطيع أصحابها إثبات ملكيتها فستُصنف كأراضي عامة وتؤول للدولة.
ويحذر من أن نحو 60% من أراضي المنطقة (ج) قد تصبح عرضة للمصادرة نتيجة هذا الإجراء.
ضم إداري فعلي للضفة الغربية
يشير شاؤول إلى ما يعتبره أخطر تحول جديد، وهو نقل صلاحيات مدنية من الجيش إلى ما يسمى "إدارة الاستيطان" التابعة لوزارة الجيش والخاضعة فعلياً لسيطرة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
ويقول:
"أصبحت السلطة المدنية الإسرائيلية تسيطر بشكل مباشر على الضفة الغربية وتدير التوسع الاستيطاني. هذا بحد ذاته عمل ضم."
كما يلفت إلى أن المبادئ التوجيهية للحكومة الصادرة أواخر عام 2022 تنص على أن "للشعب اليهودي حقاً حصرياً وغير قابل للنقاش في جميع أنحاء أرض إسرائيل".
المستعمرون والجيش: اندماج متزايد
وفي ما يتعلق بالعنف ضد الفلسطينيين، يقول شاؤول إن المستعمرين يتمتعون بحصانة شبه كاملة.
وفي السابق كان الجنود الإسرائيليون يقفون غالباً متفرجين أثناء اعتداء المستعمرين على الفلسطينيين.
ويقول إن التعليمات العسكرية كانت تعتبر مهمة الجنود حماية المستعمرين لا الفلسطينيين، وأن التدخل ضد المستعمرين كان من مسؤولية الشرطة لا الجيش.
لكن الوضع تغير تدريجياً، حيث بدأ الجنود أنفسهم بالمشاركة أحياناً في الاعتداءات.
وبعد السابع من أكتوبر حدث تحول جذري.
فمع انتقال الوحدات النظامية إلى جبهتي غزة ولبنان، تم الاعتماد بشكل أكبر على قوات الاحتياط في الضفة الغربية، بما في ذلك كتائب دفاع إقليمي يتكون جزء كبير منها من المستعمرين أنفسهم.
ويشير إلى أن أكثر من 5500 مستعمر تم تجنيدهم ضمن هذه الوحدات.
ويختم قائلاً:
"إذا كان المستعمر الذي كان يحاول تهجيرك طوال السنوات الماضية أصبح الآن جندياً يحمل السلاح والزي العسكري نفسه، فإن الفاصل بين الجيش والمستعمرين لم يعد موجوداً. منذ السابع من أكتوبر لم يعد هناك حتى ادعاء بوجود حاجز بين عنف المستعمرين والجيش؛ لقد أصبحوا الأشخاص أنفسهم."
الترجمة المهنية الدقيقة والكاملة:
من المثير للاهتمام أنك تقول ذلك، لأن سؤالي التالي لك كان سيكون حول الكيفية التي تعتقد أن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول والحرب في غزة قد غيّرت بها السياق السياسي للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وكنت أعتقد أنك ستتحدث عن الرأي العام الإسرائيلي، أو عن الأهداف المتغيرة للحكومة الإسرائيلية، لكن اللافت هو حجم التغييرات التي طرأت على أرض الواقع من الناحية العملية.
بهذا المعنى، نعم. لكن أحداث السابع من أكتوبر ساهمت أيضاً في ذلك من خلال رفع سقف مستوى العنف الذي أصبح يُنظر إليه باعتباره مقبولاً في الضفة الغربية. لطالما كانت الضفة الغربية متأخرة عن غزة من حيث مستوى العنف، لكن عندما وصل سلوك الحكومة الإسرائيلية في غزة إلى هذا الحد، تغيّرت الأمور في الضفة الغربية أيضاً. يمكن ملاحظة ذلك من خلال التهجير والنقل القسري لنحو اثنين وثلاثين ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر. كما نراه في التدمير واسع النطاق للمناطق الزراعية. فقد اقتُلعت آلاف أشجار الزيتون العام الماضي، كما أوضح قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، آفي بلوت، أن الهدف كان العقاب الجماعي، رغم أن الجيش ينفي ذلك.
هدف الحكومة الإسرائيلية هو أن تدرك كل جماعة فلسطينية أنه إذا وقع هجوم من قبل شخص ينتمي إلى مجتمعها، فإن الجميع سيدفعون الثمن.
لكن هل تغيّر انفتاح الحكومة الإسرائيلية في الحديث عن أهدافها في الضفة الغربية؟
كان جزء من ذلك مطروحاً بشكل علني قبل السابع من أكتوبر. لقد بدأ الأمر عندما تشكلت الحكومة الحالية في أواخر عام 2022. لكن ما فعله السابع من أكتوبر هو أنه خلق الإمكانية السياسية التي سمحت بتسريع النسخة الأكثر تطرفاً من مشروع الاستيطان، وهي النسخة التي كانت موضوعة على الرف لسنوات عديدة، ودفعها إلى مرحلة التنفيذ النهائي.
أحد الأمثلة على ذلك هو استهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي الوكالة التي أنشئت بعد عام 1948. قبل السابع من أكتوبر، كانت المؤسسة الإسرائيلية نفسها هي التي تدافع عن الأونروا، ليس لأنها تحبها، وإنما لأنه لم يكن هناك بديل لها. لكن بعد وقوع السابع من أكتوبر، أصبحت الحكومة قادرة على دفع خطتها لتفكيك الأونروا، ولو جزئياً، حتى مرحلة متقدمة من التنفيذ. وحدث الأمر نفسه مع محاولة الحكومة تفكيك السلطة الفلسطينية بهدف قتل ودفن الأمل في تحقيق تقرير المصير الفلسطيني.
ما الخطة التي تعتقد أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تريد تنفيذها في الضفة الغربية؟ يبدو أن خطتها على المدى القصير إلى المتوسط هي إجبار الفلسطينيين على التجمع في مناطق حضرية أصغر فأصغر في الضفة الغربية.
نعم، بالضبط. الأمر يتعلق بحصر مجموعة سكانية متنامية، ودفع السكان الفلسطينيين نحو بقع أرضية آخذة في الانكماش، والسيطرة عملياً على جميع المناطق المفتوحة، بالتوازي مع توسيع نطاق الوجود الاستيطاني الإسرائيلي. وهذا يخبرني بأننا لم نتعلم شيئاً منذ السابع من أكتوبر، لأن هذه الظروف هي بالضبط الظروف التي تولّد عدم الاستقرار والصراع والعنف.
لقد قال سموتريتش مؤخراً إنهم بحاجة إلى البدء بتشجيع "الهجرة الطوعية" من غزة. وأعتقد أن ذلك يعطي مؤشراً إلى الاتجاه الذي تسير نحوه الأمور.
بالنسبة لي، القضية بسيطة للغاية. إن فكرة حشر مجموعة سكانية متنامية من الناس داخل مساحة جغرافية تتقلص باستمرار، مع الاعتقاد بأن التفوق التكنولوجي سيسمح لك بالهيمنة الدائمة، هي الفقاعة التي انفجرت في السابع من أكتوبر.
إذا كان أي شخص يريد منع وقوع سابع من أكتوبر آخر، وإذا كان أي شخص يريد حماية والدفاع عن حياة الإسرائيليين والفلسطينيين، فعليه أن يمنح الفلسطينيين الحرية. إن أمن تقرير المصير اليهودي مترابط ومتشابك مع تحقيق تقرير المصير الفلسطيني. وما يحدث في الضفة الغربية يومياً يؤدي إلى تقويض هذه الإمكانية.
لذلك نحن نتجه عملياً نحو مزيد من التصعيد وتصاعد الصراع.
رابط المقال الأصلي:
How Israel Used the War in Gaza to Accelerate Settlements in the West Bank
