عن هأرتس
بقلم: مايكل سفارد
4 حزيران، 2026
خلاصة تحليلية:
يرى الكاتب أن دخول الاحتلال الإسرائيلي عامه الستين لا يمثل مجرد محطة زمنية، بل يعكس تحول الاحتلال من وضع مؤقت إلى منظومة حكم وسيطرة راسخة تقوم على التمييز والإقصاء وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية. ويعتبر أن العقد الأخير كان الأكثر خطورة، إذ شهد تصاعداً غير مسبوق في عنف المستوطنين والتهجير القسري وتكريس سياسات الفصل العنصري، بالتوازي مع تنامي نفوذ اليمين المتطرف داخل مؤسسات الدولة. ويذهب الكاتب إلى أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في السياسات الحكومية أو الاعتبارات الأمنية، بل في ترسخ نظرة تفوق قومي وعرقي داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي جعل معاناة الفلسطينيين خارج دائرة الاهتمام العام. ويحذر من أن المنظومة التي استهدفت الفلسطينيين لعقود بدأت تنعكس أيضاً على الداخل الإسرائيلي، من خلال تقويض الحريات وتركيز السلطة وتآكل القيم الديمقراطية، ما يجعل إنهاء الاحتلال ومعالجة جذوره الفكرية والسياسية شرطاً أساسياً لأي مستقبل مختلف.
بحسب معطيات منظمة "بتسيلم"، شهد العام التاسع والخمسون للاحتلال الإسرائيلي تهجيراً قسرياً كاملاً لـ24 تجمعاً فلسطينياً في الضفة الغربية، فيما تعرض 11 تجمعاً آخر للتهجير الجزئي. لقد فقدت 489 عائلة، تضم نحو 2700 شخص، منازلها ومجتمعها المحلي ومكانها على هذه الأرض. يهود ملثمون وآخرون يرتدون الزي العسكري تعاونوا معاً في صناعة هذا الشر، فتسببوا بتشريد أكثر من 1300 قاصر. هذا ليس سوى جانب واحد من المشهد. وفي العام التاسع والخمسين للاحتلال، دمر الجيش الإسرائيلي عشرات آلاف المباني في قطاع غزة، وقضى بذلك على الحيز المعيشي لمئات آلاف الفلسطينيين.
تهانينا. لقد بدأ الاحتلال عامه الستين.
في الحقيقة، هذا عمر متقدم نسبياً. لم يعد شاباً، لكنه لم يبلغ سن التقاعد بعد. إنه مجرد دليل على مرور الزمن، وعلى أن ما كان يفترض أن يكون انحرافاً مؤقتاً عن المبدأ الأساسي القائل إن البشر يستحقون أن يكونوا شركاء في تقرير مصيرهم، تحول مع الوقت إلى نظام دائم من الانتهاكات والجرائم.
لقد دخلنا الآن العام الأخير من أسوأ عقد في تاريخ الاحتلال. عقد شهد المذابح واعتداءات الإرهاب اليهودي التي حظيت بالدعم السياسي والتمويل العام، بل وبمشاركة وتواطؤ من جهات أمنية مختلفة. عقد ترسخ فيه نظام فصل عنصري معلن وصريح، تديره وتحافظ عليه عشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين أصبحوا شركاء في جريمة ضد الإنسانية. وفوق ذلك كله، كان عقداً أعقب المجزرة المروعة وغير القابلة للتبرير التي ارتُكبت بحقنا، فانزلقنا بعد ذلك إلى حرب إبادة مروعة لا يمكن تبريرها بدورها، أوصلتنا إلى هاوية أخلاقية مخيفة جعلتنا، بصورة مؤلمة، أشبه بأولئك الذين اضطهدونا وقتلونا عبر التاريخ.
الحقيقة أنه لم يعد هناك الكثير مما يمكن قوله. منذ ما يقارب عقدين وأنا أكتب في صحيفة "هآرتس" مع كل ذكرى للحرب التي جعلتنا قوة احتلال تتحكم بملايين البشر المحرومين من الحقوق السياسية والخاضعين بالكامل لسلطتنا. ومنذ ما يقارب عقدين، أبحث كل عام عن الكلمات المناسبة، وأحاول تحديد المفاهيم الدقيقة، وأسعى لاختراق جدار الصمت والقسوة الإسرائيلي بلغتي. لكن ذلك لم ينجح. على الأقل حتى الآن.
ومن الصعب الاستمرار في الهروب من الحقيقة. فكلما حاولنا الالتفاف عليها، اكتشفنا أننا نصطدم بجدار يستند إلى أساس فاسد اسمه العنصرية. الطفل الفلسطيني المتألم لا يحرك مشاعر غالبية الإسرائيليين. ولهذا فإن أكثر البرامج الإخبارية "ليبرالية" في الإعلام الإسرائيلي لا تكترث لمعاناته. وأضع كلمة "ليبرالية" بين قوسين لأن معناها في الخطاب الإسرائيلي تعرض لتشويه عميق؛ فإذا كان يائير لابيد، الذي يحرص على القول إنه "صهيوني ووطني وليس يسارياً"، يُعد ليبرالياً، فربما لم أفهم شيئاً مما درسته عن الليبرالية في الجامعة.
نعم، مهما حاولنا تبرير الأمور أو إلقاء اللوم على الصراع أو الإرهاب أو العمليات المسلحة، فإن الصدق مع أنفسنا يفرض علينا الاعتراف بأن العنصرية العارية والمشوهة، وإحساسنا بالتفوق ونظرتنا إلى الآخرين باعتبارهم أدنى منا، قد تغلغلت في أجسادنا واستقرت في كل عضو من أعضائها.
نحن، كمجتمع بصورة عامة، لا نرى غير اليهود على أنهم متساوون معنا. لا ننظر إلى التجمعات الفلسطينية المعزولة في الأغوار أو في جنوب الخليل، ولا إلى فقر سكانها أو مظهرهم المختلف، بوصفهم بشراً يستحقون الكرامة والسعادة مثلنا تماماً.
ولست أتحدث هنا عن المتطرفين وحدهم، بل عن الليبراليين أيضاً، وعن الصحافيين والقضاة والعاملين في قطاع التكنولوجيا والسياسيين، بمن فيهم أولئك الذين يُصنفون ضمن ما يسمى "الوسط" و"يسار الوسط". فإلى أي مدى يشعر المجتمع الإسرائيلي فعلاً بالألم أو الاهتمام تجاه ما يجري في عين سامية وعين العوجا وأم الخير وعشرات التجمعات الأخرى التي تستهدفها دولة اليهود، بصورة مباشرة أو عبر وكلائها، وتلحق الأذى بسكانها الفلسطينيين العزل؟
صحيح أن بعض المقاطع المصورة الصادمة تثير بين الحين والآخر ردود فعل غاضبة، لكنها لا تتجاوز كونها اضطراباً عابراً لا يقود إلى مراجعة حقيقية أو تصحيح فعلي. إنها صدمة استعراضية تهدف إلى الحفاظ على صورة الذات أكثر مما تهدف إلى مواجهة الواقع.
لكن شيئاً آخر حدث خلال هذا العقد. فالنظام الذي صنع القمع بدأ يلتهم أبناءه أيضاً. وفجأة وجد يهود إسرائيليون أنفسهم في مواجهة عمليات تركيز السلطة وتقويض الحقوق وصناعة الاستبداد. العرب هم الأعداء، لكن قادة اليمين المتطرف باتوا يعتبرون أيضاً أن "اليساريين" أعداء. الفلسطينيون هم الخصم، لكن اليهود الذين يطالبون برفع الحذاء العسكري عن أعناقهم أصبحوا كذلك خصوماً. وهكذا فإن الأنهار التي غذت الاحتلال هي نفسها التي تملأ اليوم بحيرات الانقلاب على الديمقراطية، ولن يطول الوقت قبل أن تُوجه الأسلحة التي يصوبها المستوطنون نحو جيرانهم الفلسطينيين إلى خصومهم السياسيين داخل إسرائيل أيضاً.
وكما أن الرطوبة والعفن لا يختفيان بطبقة جديدة من الطلاء، فإن أي حكومة تغيير أو إصلاح لن تتمكن من اقتلاع مصدر العطب ما لم تعالج جذوره الحقيقية: فكرة التفوق اليهودي، وافتراض عدالة الذات المطلقة، ورفض الاعتراف الكامل بحقوق الآخرين الذين يعيشون هنا.
يجب الفوز في الانتخابات، ويجب إسقاط الحكومة الكهانية. هذا شرط ضروري من أجل مستقبل لا يزداد ظلاماً. لكنه ليس شرطاً كافياً.
مرحباً بالعام الستين.
رابط المقال الأصلي:
