عن هآرتس
بقلم: إيهود أولمرت
18 حزيران/يونيو 2026
خلاصة تحليلية:
يقدم رئيس الوزراء الاحتلالي الأسبق إيهود أولمرت في هذا المقال واحداً من أشد الانتقادات الصادرة عن مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، إذ يتهم الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو بتنفيذ سياسة منظمة وممنهجة للتطهير العرقي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الضفة الغربية من خلال دعم وحماية عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. ويميز أولمرت بين ما جرى في قطاع غزة، الذي يصف بعض ممارساته بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب دون أن تشكل سياسة إبادة جماعية، وبين ما يحدث في الضفة الغربية، حيث يرى أن الاعتداءات والتهجير ومصادرة الحقوق تتم بدعم حكومي مباشر وبمشاركة أو تقاعس من المؤسسات الأمنية والقضائية. ويحذر من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع المجتمع الدولي، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية والدول الغربية، إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد المسؤولين الإسرائيليين والمتورطين في هذه الانتهاكات.
يجب أن تنتقل مواجهة الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية إلى مرحلة أكثر تقدماً وأن تُخاض بعزم أكبر. فالإرهاب اليومي الذي تديره الحكومة الإسرائيلية وتوجهه وتشجعه وتدعمه لم يعد ممكناً التسامح معه.
ما يحدث اليوم في أنحاء الضفة الغربية ليس من فعل "سبعين فتى من بيوت مفككة"، كما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الادعاء في السابق. كما أنه ليس نتاج أقلية هامشية ومنحرفة بين المستوطنين، كما يزعم بعض قادة الحركة الاستيطانية.
لقد بات من الضروري القول بوضوح إن دولة إسرائيل تنفذ حملة منظمة وممنهجة وممولة من الدولة للتطهير العرقي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وليس ذلك في قطاع غزة أو جنوب لبنان أو سوريا، بل في مناطق الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الأمنية الحصرية للدولة وأجهزتها الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون.
ويقف في مقدمة هذه الحملة رئيس الوزراء ووزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس وأعضاء الحكومة. ويظهر الدافع وراء هذه الممارسات في تصريحات وأفعال وزراء كبار يسعون إلى الضم الكامل للضفة الغربية دون بقاء سكانها الفلسطينيين فيها. وأقصد تحديداً إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وغيرهما من الوزراء الذين يدعمون، قولاً وفعلاً، سياسات ترقى إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم.
إنها كلمات قاسية. فلم تُوجَّه من قبل اتهامات بهذا القدر من الخطورة إلى حكومة إسرائيلية وإلى المؤسسة الأمنية بأكملها، ولا سيما من شخص كان يوماً المسؤول الأعلى عن أمن إسرائيل. لكن بعد فترة طويلة ومؤلمة من ضبط النفس، لم يعد هناك خيار سوى قول هذه الأمور بصراحة كاملة.
لا شيء يمكن أن يبرر غضّ الطرف عما يجري يومياً في القرى الفلسطينية في الضفة الغربية: اعتداءات منظمة، وإصابة أطفال وبالغين داخل منازلهم وخارجها، وإحراق الحقول والممتلكات، وعمليات سرقة واسعة النطاق، خصوصاً للأغنام والأبقار التي تشكل مصدر الرزق الأساسي للعديد من السكان. وأمام كل ذلك، يستحيل البقاء هادئاً أو متسامحاً أو متردداً في مواجهة الجناة ومن يدعمهم ومن يقودهم.
خلال العامين الماضيين، وُجهت إلى إسرائيل اتهامات في معظم المحافل الدولية، بما فيها من دول صديقة وقفت إلى جانبها في أوقات الأزمات والحروب، بارتكاب إبادة جماعية في غزة. وقد أكدت في كل مناسبة أن إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية في القطاع ولم تكن تنوي ارتكابها.
صحيح أن إسرائيل خاضت الحرب التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر بعنف شديد، وارتكبت خلالها أفعالاً يمكن وصف بعضها بجرائم حرب. ونعلم جميعاً أن مثل هذه الأفعال حدثت، حتى وإن لم نكن مستعدين للاعتراف بذلك. لكن الحكومة لم تتبنَّ سياسة إبادة جماعية، ولم تدعم بصورة متعمدة ومنهجية أفعالاً تستوفي التعريف القانوني للإبادة الجماعية.
لقد اعترفت في عدة مناسبات، ومنها عبر صحيفة هآرتس، بأن جرائم حرب قد ارتُكبت بالفعل. وكانت وسائل الإعلام الأجنبية تتطلع إلى أن أحمّل الحكومة مسؤولية هذه الجرائم وأؤكد أنها ارتُكبت بعلم وموافقة قيادتها، لكنني رفضت هذا التفسير وما زلت لا أندم على ذلك.
فالعسكريون الإسرائيليون، سواء في سلاح الجو أو المدفعية أو المدرعات أو المشاة، لم يكونوا هم من يحدد الأهداف أو يضع السياسات، بل نفذوا الأوامر. وقد تكون بعض تلك الأوامر متهورة أو غير مدروسة، وأحياناً صدرت دون مراعاة كافية للخسائر المدنية المتوقعة، لكنها لم تكن نتيجة قرار واعٍ أو سياسة حكومية تهدف إلى القتل الجماعي.
لذلك، حتى لو وقعت في غزة جرائم لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، فإنها لم تكن نابعة من سياسة حكومية، وبالتالي لم يكن هناك ما يبرر إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء أو وزير الأمن أو كبار القادة العسكريين. هذا ما كنت أعتقده آنذاك وما زلت أعتقده اليوم.
لكن هذه الاستنتاجات لا تنطبق على ما يحدث في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في الأشهر الأخيرة.
فهنا لا أتردد في تحميل الحكومة مسؤولية مباشرة وفورية عن جرائم حرب وأعمال تطهير عرقي تستهدف مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين لا علاقة لهم بالإرهاب، لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة.
إن آلاف المستوطنين المشاركين في هذه الجرائم لا يستطيعون العمل دون المساعدة والحماية والدعم والتمويل الذي توفره مؤسسات الدولة على المستويين المحلي والوطني. فجرائم بهذا الحجم ما كانت لتحدث دون وجود دعم في كل مراحلها.
وأصبحت الشرطة الإسرائيلية، عملياً، شريكاً فيما يجري في الضفة الغربية. فهي لا تحاول منع هذه الأفعال رغم واجبها القانوني، وفي كثير من الحالات تقدم قوات الأمن المساعدة للمستوطنين المعتدين، فيما يُعتقل الضحايا الفلسطينيون بدلاً من الجناة.
كما ظهرت حالات كثيرة تورط فيها جنود من الجيش الإسرائيلي، سواء من المجندين أو قوات الاحتياط، في اعتداءات ضد الفلسطينيين. ويكتفي المتحدث باسم الجيش بالقول إن هذه الحوادث لا تعكس قيم الجيش أو سياساته، إلا أن هذا الرد أصبح مجرد طقس فارغ من المضمون. فالواقع يشير إلى استمرار مشاركة الجنود في أعمال عنف، وأحياناً في هجمات قاتلة ضد السكان الفلسطينيين.
ولا يمكن أيضاً تجاهل إخفاقات جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في منع الإرهاب اليهودي وكشف مرتكبيه. فالجهاز يمتلك الأدوات والقدرات اللازمة لذلك، ولا يوجد تفسير مقنع لعدم استخدامه هذه الأدوات في مواجهة الإرهاب اليهودي المتفشي في الضفة الغربية. وتقع على عاتقه مسؤولية منع الإرهاب، سواء كان فلسطينياً أو يهودياً.
إن سلطات إنفاذ القانون الإسرائيلية ملزمة باتخاذ الإجراءات الضرورية لوقف ما يرتكبه اليهود في الضفة الغربية. لكن في ظل اليقين بأن الحكومة لن تتحرك، وأن وزير الأمن سيواصل رفض إصدار أوامر الاعتقال الإداري بحق المشتبه بهم من اليهود، وأن الشرطة ستواصل التعاون مع المعتدين، وأن الجيش سيستمر في التغاضي عما يحدث، فإن هناك احتمالاً حقيقياً بأن يبدأ المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات أكثر حزماً ضد الأفراد والمنظمات والجهات الحكومية المسؤولة عن هذه الجرائم.
وقد تنتهي الإدارة الأمريكية والحكومات الأوروبية، عبر تنسيق أجهزتها القضائية والتحقيقية، إلى القيام بما عجزت السلطات الإسرائيلية عن القيام به حتى الآن، وهو مواجهة الإرهاب الذي تسمح إسرائيل باستمراره في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها ومسؤوليتها. كما يُرجح أن تتخذ المحكمة الجنائية الدولية خطوات أكثر تحديداً وحزماً ضد القادة والفاعلين المتورطين في هذه الجرائم.
وغالباً ما يكون الرد التلقائي من قبل المستوطنين المتطرفين ومؤيديهم، بل وأحياناً من كثير من الإسرائيليين ذوي النوايا الحسنة، هو اعتبار أي انتقاد أو إجراءات ضد إسرائيل والإسرائيليين شكلاً من أشكال معاداة السامية. ولا شك أن معاداة السامية موجودة وقد تصاعدت خلال السنوات الأخيرة، لكنها لا ينبغي أن تُخلط مع إدانة سياسات الحكومة الإسرائيلية أو الاعتراض على الأفعال التي تُرتكب باسم إسرائيل.
فهل يمكن لأحد أن يعتقد حقاً أن العنف الذي يمارسه إسرائيليون ضد الفلسطينيين يمكن تجاهله ببساطة؟ وهل يُعقل أن يغض العالم الطرف عن مشاهد الدمار والكراهية والاضطهاد والحرق والعنف التي يرتكبها إسرائيليون، بينما يفعل كثيرون منا ذلك هنا؟
لقد حان الوقت للتخلي عن الشعور الزائف بالتفوق الأخلاقي، وعن النفاق والمسرحية المستمرة، ومواجهة الأعداء من الداخل.
رابط المقال الأصلي:
