17 تموز، 2026: تعكس المخططات التي ناقشها مجلس التخطيط الأعلى التابع للإدارة المدنية الاحتلالية منذ مطلع شهر تموز الجاري استمرار النهج الإسرائيلي القائم على تسريع أدوات التخطيط الاستعماري باعتبارها إحدى أكثر وسائل فرض الوقائع على الأرض فاعلية. فالمخططات التسعة التي خضعت لإجراءات المصادقة والإيداع لا تمثل مجرد توسعات عمرانية اعتيادية، وإنما تشكل جزءاً من سياسة ممنهجة تستهدف تعزيز الكتلة الاستعمارية في الضفة الغربية بما فيها القدس، عبر الجمع بين التوسع الأفقي للمستعمرات والتكثيف العمراني داخلها، بما يضمن استيعاب أعداد أكبر من المستعمرين وتعزيز ديمومة المشروع الاستعماري.

وتكشف المعطيات أن الاحتلال يواصل الاستثمار في المستعمرات القائمة إضافة إلى تركيزه على تسوية البؤر التي أقر تسويتها سابقاً، إذ خصصت المخططات ما يزيد على 1069 دونماً من الأراضي الفلسطينية، ودفعت نحو إنشاء 1024 وحدة استعمارية جديدة، توزعت بين 455 وحدة تمت المصادقة عليها و569 وحدة أودعت لاستكمال إجراءات اعتمادها. ويؤشر هذا التوزيع إلى استمرار العمل بوتيرة مرتفعة في مختلف مراحل العملية التخطيطية، بما يضمن تدفقاً متواصلاً لمشاريع البناء الاستعماري خلال الأشهر المقبلة.

ويبرز التركيز على شمال الضفة الغربية من خلال المصادقة على مخطط توسيع مستعمرة "مبو دوتان" بإضافة 455 وحدة استعمارية على مساحة تقارب 539 دونماً من أراضي بلدة عرابة، بما ينسجم مع التحولات التي تشهدها هذه المنطقة منذ أشهر، سواء على مستوى العمليات العسكرية أو مشاريع البنية التحتية أو إعادة تأهيل المستعمرات المحيطة، الأمر الذي يعكس انتقال شمال الضفة الغربية إلى مركز متقدم في أولويات المشروع الاستعماري الإسرائيلي.

وفي المقابل، تظهر محافظة الخليل باعتبارها إحدى أهم ساحات التوسع الاستعماري الحالي، بعد إيداع مخططين كبيرين في مستعمرتي "بيت حجاي" (انظر الخريطة الجانبية) وعأسائيل (جرى إقرار تحويلها من بؤرة لمستعمرة مطلع 2023) لإضافة 567 وحدة استعمارية على مساحة تتجاوز 519 دونماً، وهو ما يعكس استمرار العمل على تعزيز الكتل الاستعمارية جنوب الضفة الغربية وربطها بشبكات الطرق والبنية التحتية، بما يرسخ السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية ويحد من إمكانيات التوسع العمراني الفلسطيني.

ولا يقتصر التوسع الاستعماري على إنشاء وحدات جديدة، إذ تكشف المخططات أيضاً عن مسار موازٍ يتمثل في إعادة هندسة الأنظمة التخطيطية داخل المستعمرات، من خلال تعديل خطوط البناء، وتغيير استعمالات الأراضي من تجارية إلى سكنية، وتعديل تعليمات البناء وآليات تسويق الأراضي وتقسيم القطع. ورغم أن هذه التعديلات تبدو ذات طابع فني، فإنها تشكل في الواقع أدوات تخطيطية تسمح بزيادة الكثافة الاستعمارية واستغلال المساحات المتاحة إلى أقصى حد، بما يقلل الحاجة مستقبلاً إلى استملاك أراضٍ إضافية لتحقيق التوسع العمراني.

وتؤكد هذه المخططات أن التخطيط الاستعماري لم يعد يقتصر على بناء وحدات سكنية، بل أصبح منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الحيز الجغرافي الفلسطيني، من خلال تطوير المستعمرات القائمة وتحديث أنظمتها التخطيطية وربطها بالبنية التحتية الإسرائيلية، في مقابل استمرار خنق التجمعات الفلسطينية وحرمانها من أي أفق تخطيطي أو عمراني، بما يحول التخطيط إلى أداة مركزية لترسيخ الضم الفعلي وإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.