يوم 12 أيار، 2026، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أمراً عسكرياً جديداً موقعاً من آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، يقضي بوقف أعمال البناء والإنشاء في أحد المواقع الفلسطينية، تحت ذرائع تتعلق بما تسميه "متطلبات التنظيم والبناء"، في خطوة تندرج ضمن سياسة التضييق المستمرة على الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة (ج).
ويحمل الأمر العسكري رقم (1/26/אב/2026)، (انظر الخريطة الأولى) وينص على حظر تنفيذ أي أعمال بناء جديدة أو توسعة أو إضافة على المنشآت القائمة في الموقع المستهدف وتحديداً في قرى قرى برقا والعطاطرة وبزارية وسبسطية وهي الأراضي التي استهدفت بعملية إعادة الاستيطان إلى مستعمرات صانور وحومش على مساحة تقدر بـ 4730 دونماً، مع منح الجهات التابعة للاحتلال صلاحيات واسعة لدخول المنطقة واتخاذ إجراءات تنفيذية بحق المنشآت التي تعتبرها مخالفة.
كما يتيح القرار لموظفي الإدارة المدنية وقوات الاحتلال تنفيذ عمليات تفتيش ومتابعة ميدانية للموقع، واتخاذ إجراءات قد تصل إلى إزالة أو هدم المنشآت المقامة، إضافة إلى فرض قيود مشددة على أي نشاط عمراني مستقبلي في المنطقة.
ويكتسب أمر منع البناء الأخير خطورته من كونه يستهدف المنطقة ذاتها التي سبق أن أصدر الاحتلال بشأنها أمراً عسكرياً (انظر الخريطة الثانية) بوضع اليد على 513 دونماً من أراضي بلدات سيلة الظهر والعطارة وجبع والفندقومية وبرقة بين محافظتي نابلس وجنين في 14 كانون أول/ديسمبر 2025، والذي حمل الرقم (ت/175/25) بذريعة شق طريق عسكري يربط بين مستعمرتي "حومش" و"صانور" شمال الضفة الغربية. ويشير هذا التتابع في الإجراءات إلى أن الاحتلال لا يكتفي بالاستيلاء على الأراضي اللازمة لتنفيذ المشروع، بل يعمل بالتوازي على فرض منظومة من القيود التخطيطية والتنظيمية على محيطه، بما يضمن حماية المشروع وتوسعه مستقبلاً ومنع أي استخدام فلسطيني للأراضي المجاورة.
كما يكشف الربط بين أمر وضع اليد وأمر منع البناء عن توجه أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الحيز الجغرافي في الم
نطقة بما يخدم المصالح الاستيطانية والعسكرية للاحتلال. فالطريق المزمع شقه لا يقتصر دوره على توفير ممر أمني بين المستعمرتين، بل يشكل جزءاً من جهود متواصلة لتعزيز التواصل الجغرافي بين البؤر والمستعمرات المقامة شمال الضفة الغربية، وترسيخ وجودها على المدى الطويل. وفي المقابل، يؤدي منع البناء والتطوير الفلسطيني في المنطقة المستهدفة إلى تضييق فرص التوسع العمراني والتنمية الفلسطينية، وخلق واقع ميداني جديد يكرس السيطرة الإسرائيلية على الأرض ويحد من إمكانيات استثمارها من قبل أصحابها الفلسطينيين.
تشير سلسلة الأوامر العسكرية التي أصدرها الاحتلال خلال الفترة الأخيرة في شمال الضفة الغربية، ولا سيما في محافظة جنين، إلى وجود توجه ممنهج لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي للمنطقة بما يخدم مشروع إعادة الاستيطان وتوسيعه. فالأوامر المتعلقة بالاستيلاء على الأراضي، وشق الطرق العسكرية، ومنع البناء والتطوير الفلسطيني، لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها حزمة متكاملة تهدف إلى توفير البنية التحتية الأمنية والقانونية اللازمة لتعزيز الوجود الاستيطاني وربط المستعمرات والبؤر الاستيطانية ببعضها البعض. ويأتي ذلك في سياق مساعٍ إسرائيلية متسارعة لتحويل شمال الضفة الغربية، وخاصة المنطقة المحيطة بمستعمرتي "حومش" و"صانور"، إلى بؤرة استيطانية متقدمة، بما يعيد إنتاج واقع استيطاني واسع النطاق في المناطق التي أُخليت بموجب خطة فك الارتباط عام 2005، ويكرّس السيطرة الإسرائيلية على مساحات استراتيجية من الأرض الفلسطينية.
