الخلاصة التنفيذية:

  1. التوجيه غير نافذ بعد: كاتس كلّف الجيش بإعداد خطة لنقل الصلاحيات، ولم يصدر حتى الآن أمر عسكري أو تشريع أو لوائح تنفيذية تحدد نطاق النقل وآليات تنفيذه.
  2. الجديد هو فصل المؤسسة لا إنشاء الاختصاص: الشرطة تعمل أصلاً في الضفة بتفويض عسكري: أما التحول المقترح فيسعى إلى جعل إنفاذ القانون على المستعمرين وظيفة مدنية إسرائيلية "كما داخل إسرائيل".
  3. القرار حلقة في الضم المتدحرج: فهو يستكمل نقل وظائف الأرض والتخطيط والإنفاذ من القيادة العسكرية إلى مؤسسات الدولة الإسرائيلية، مع إبقاء الفلسطينيين تحت الحكم العسكري.
  4. أثره الاستعماري تمكيني ومشروط: القرار لا يخصص أرضاً، لكنه قد يوسع فجوة الاستجابة ويقلص الردع، بما يسمح بتحويل الاعتداءات والبؤر الحديثة إلى وقائع ثابتة على الأرض.
  5. الأثر السياسي يسبق التنفيذ القانوني: يبعث التوجيه برسالة مفادها أن مهمة الجيش حماية المستعمرات لا تقييد جماعاتها العنيفة، فيما يتوقف الأثر العملي على الصلاحيات التي ستمنح للشرطة في الخطة النهائية.

 

يقدر، بثقة مرتفعة، أن الخطوة تمثل حلقة إضافية في الضم بالوظائف: نقل صلاحيات الدولة تدريجياً من قائد عسكري يفترض أن يدير إقليماً محتلاً بصورة مؤقتة، إلى وزارات وأجهزة مدنية إسرائيلية دائمة. أما أثرها المباشر في توسع المستعمرات والبؤر فمرجح لكنه مشروط بصيغة الخطة النهائية:إذ قد يقتصر النقل على التحقيق الجنائي والنظام العام، أو يمتد إلى أدوات التدخل الميداني التي يستخدمها الجيش في إخلاء البؤر الحديثة وإغلاق المناطق ووقف الاستيلاء الفوري على الأرض.

  1. ما الذي تقرر فعلياً؟

وجه وزير الجيش كاتس جيش الاحتلال، بالتنسيق مع الشرطة والجهات المعنية، إلى إعداد خطة لنقل جميع صلاحيات الإنفاذ في القضايا المدنية المتعلقة بالمستعمرات والسكان الإسرائيليين في الضفة إلى الشرطة، مع إنشاء قوة مخصصة ومنحها الصلاحيات والميزانيات المطلوبة.

ربط كاتس الخطوة صراحةً بما وصفه بقرارات إقامة 104 مستعمرات جديدة وشرعنة المزارع الاستعمارية، وبزيادة عدد المستعمرين المتوقعة. 

لم يصدر بعد أمر عسكري أو تشريع أو أو لوائح تنفيذية أو مخطط تنظيمي منشور ينقل الاختصاص فعلياً؛ كما أفادت تقارير احتلالية بأن الإعلان لم ينسق مسبقاً مع الوزير المسؤول عن الشرطة، وأنه يحتاج عملاً تنظيمياً وقانونياً. لذلك الأدق وصفه بأنه توجيه لإعداد خطة نقل لا نقل مكتمل.

عبارة القضايا المدنية واسعة وغير معرفة. ولا يصح، قبل نشر الخطة، مساواتها تلقائياً بكل صلاحيات الإدارة المدنية في الأراضي والتخطيط والبناء؛ فهذه قطاعات انتقلت أجزاء كبيرة منها أصلاً إلى إدارة الاستيطان التابعة لسموتريتش.

  1. البنية القانونية القائمة

الشرطة الإسرائيلية ليست غائبة عن الضفة اليوم. فهي تمارس التحقيق والإنفاذ الجنائيين على الإسرائيليين بموجب صلاحيات مفوضة في الأمر العسكري رقم 1651 (سيشار إلى توضيحه في نهاية التقدير)، بينما يحتفظ ما يطلق عليه بقائد المنطقة الوسطى بالسلطة العليا، ويملك الجنود صلاحيات توقيف وتفتيش وتأمين موقع الجريمة والتدخل الأولي إلى أن تصل الشرطة، ولا سيما في المناطق التي لا تنتشر فيها الشرطة بصورة مستقلة. وتؤكد تقارير رقابية إسرائيلية أن الجيش والإدارة المدنية والشرطة يشتركون في منظومة الإنفاذ، تحت المسؤولية العامة للقائد العسكري.

وبالتوازي، تطبق إسرائيل منذ 1967 جانباً واسعاً من قانونها على الإسرائيليين في الضفة تطبيقاً شخصياً وخارج الإقليم عبر أنظمة الطوارئ الخاصة بالاختصاص والمساعدة القانونية، فيما يخضع الفلسطينيون للأوامر والمحاكم العسكرية. وعليه، لا ينشئ توجيه كاتس الازدواج القانوني من الصفر؛ إنما ينقل الازدواج إلى مستوى المؤسسة التنفيذية ذاتها ويحاول جعل الشرطة تتصرف تجاه المستعمرين كما لو كانوا داخل إسرائيل.

قانونياً، تستطيع السلطة العسكرية تفويض الشرطة ببعض مهامها، لكن التفويض الداخلي لا يغير صفة الضفة كأرض محتلة ولا يعفي إسرائيل من التزاماتها. وتصبح دلالة الضم أقوى إذا خرجت الشرطة من تبعيتها الوظيفية للقائد العسكري، أو منحت ولاية مباشرة بموجب القانون الإسرائيلي وبسلسلة قيادة وميزانية مدنيتين مستقلتين.

 

  1.  القرار ضمن آلية الضم الإداري والقانوني المتدحرج

لا يتطلب الضم دائماً إعلان السيادة رسمياً أو إحداث تغيير فوري في الحدود، بل يمكن أن يتحقق بصورة تراكمية عندما تمارس دولة الاحتلال وظائف الدولة الأساسية داخل الأرض المحتلة على نحو دائم، وتدمج فئة من سكانه في مؤسساتها وقوانينها. وقد تأسس هذا المسار منذ عام 1967 من خلال التوسع في تطبيق القانون الإسرائيلي تطبيقاً شخصياً على المستعمرين، بالتوازي مع إبقاء الفلسطينيين خاضعين للحكم والقانون العسكريين، بما أنشأ نظامين قانونيين داخل الأرض المحتلة نفسها. غير أن هذا المسار أخذ منذ عام 2023 شكلاً مؤسسياً وقطاعياً أكثر وضوحاً: إذ مثل اتفاق غالانت/سموتريتش في آذار من ذلك العام محطة أساسية لنقل صلاحيات إدارية واسعة من القيادة العسكرية إلى وزير مدني داخل وزارة الأمن، بما نقل جانباً من بنية الحكم إلى مؤسسات مدنية إسرائيلية وأضعف مبدأ الإدارة العسكرية المؤقتة. وتعمق هذا التحول بين أيار وتموز 2024 مع إنشاء "إدارة الاستيطان"، وتعيين نائب مدني لرئيس الإدارة المدنية، ونقل ملفات الأرض والتخطيط والإنفاذ والمشورة القانونية، الأمر الذي دمج إدارة المستعمرات والأرض في البيروقراطية الحكومية الإسرائيلية. وفي شباط 2026 انتقل المسار إلى توسيع الولاية الإسرائيلية مكانياً، من خلال مد صلاحيات الإنفاذ إلى المنطقتين (أ) و(ب) في ملفات البيئة والمياه والآثار، وتسهيل شراء الأراضي وتسجيلها، وإجراء تغييرات في الصلاحيات داخل الخليل ومحيط قبة راحيل، بما تجاوز التقسيمات القانونية والإدارية التي كرستها الاتفاقيات. ويأتي توجيه كاتس في آب 2026 لإعداد خطة تجعل الشرطة الإسرائيلية مسؤولة عن إنفاذ القانون على المستعمرين "كما داخل إسرائيل" ليضيف حلقة جديدة إلى هذا المسار، تتمثل في نقل وظيفة الشرطة والإكراه القانوني إلى مؤسسة مدنية إسرائيلية، مع إبقاء الجيش موجهاً بصورة أساسية ضد الفلسطينيين. وبهذا المعنى، لا ينهي القرار الحكم العسكري في الضفة الغربية، بل يعيد هندسته على أساس قومي: يقلص حضوره عندما يمكن أن يقيد المستعمرين، ويبقي عليه ويشدده عندما يتعلق الأمر بضبط الفلسطينيين والسيطرة عليهم. كما أنه لا يستبدل حلقات الضم السابقة المرتبطة بالأرض والتخطيط والبناء، بل يكملها بوظيفة شرطية مدنية تعزز دمج المستعمرين ومجالهم الجغرافي في مؤسسات دولة الاحتلال. وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن امتداد القانون الإسرائيلي إلى المستعمرات والمستعمرين، بالتوازي مع ممارسة سلطات تنظيمية متسعة ودائمة داخل الأرض المحتلة، يشكل من العناصر التي ترسخ السيطرة الإسرائيلية، وتدمج أجزاء من الضفة الغربية في منظومتها المؤسسية والقانونية، وتدخل في تقييم حالة الضم الفعلي.

 

  1. الأثر المحتمل في الاستعمار الاستيطاني:

لا يشكل القرار، بذاته، إجراءً تخطيطياً أو أمراً بتخصيص الأراضي، لكنه قد يتحول إلى طبقة حماية وتمكين أمنية للتوسع الاستعماري. ويُقدر، بدرجة ثقة مرتفعة، أن أول آثاره المحتملة يتمثل في إحداث فجوة في الاستجابة الميدانية الأولى؛ فإذا انسحب الجنود من واجب التدخل في اعتداءات المستعمرين، بينما بقي انتشار الشرطة محدوداً وظل دخولها إلى المنطقتين المصنفتين (أ) و(ب) وفق اتفاق أوسلو مشروطاً بالحماية والتنسيق العسكريين، فقد يطول زمن الاعتداء، ويُمنح المستعمرون وقتاً إضافياً لإقامة البؤر وتثبيتها قبل وصول الجهة المختصة. ويقترن ذلك، بدرجة ثقة مرتفعة أيضاً، بخطر تآكل الردع وتوسيع نطاق الإفلات من العقاب؛ إذ أظهرت بيانات رسمية للشرطة نشرتها القناة الإسرائيلية N12 تراجع عدد ملفات عنف المستعمرين المفتوحة في الضفة الغربية من 235 ملفاً عام 2022 إلى نحو 60 ملفاً عام 2024، على الرغم من تصاعد الوقائع المبلغ عنها، فيما ربط إيتمار بن غفير هذا التراجع بسياسته تجاه ما يسمى "شبيبة التلال". أما احتمال تحييد أدوات الجيش الميدانية فتظل درجة الثقة بشأنه متوسطة إلى حين نشر الخطة التنفيذية؛ فإذا شمل النقل صلاحيات التدخل الفوري، وإعلان المناطق العسكرية المغلقة، والتوقيف، ومنع إعادة نصب الخيام، وإخلاء البؤر والتعديات الحديثة، فإن قدرة المنظومة القائمة على وقف البؤرة في مرحلة نشأتها ستضعف، بما يسمح بتحولها سريعاً إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه. ويُرجح، بدرجة ثقة مرتفعة، أن يؤدي هذا الفراغ إلى تعزيز استخدام العنف بوصفه أداة للاستيلاء على الأرض: فإطالة زمن الاعتداء، واستمرار الحصار، ومنع المزارعين من الوصول إلى الحقول والمراعي ومصادر المياه، قد تدفع إلى ترك الزراعة أو النزوح، لتتحول فجوة الإنفاذ تدريجياً إلى توسع مكاني للمزارع والبؤر الاستعمارية، يعقبه طلب شرعنتها وربطها بالطرق والمياه والكهرباء والخدمات. كما يحمل القرار أثراً مرتفع الاحتمال على مستوى التطبيع المؤسسي والسكاني، لأن إنشاء قوة شرطة مخصصة، مزودة بصلاحيات وميزانية وخدمات تعمل "كما داخل إسرائيل"، يخفض الكلفة الأمنية والإدارية لإدارة التوسع، ويمنح الوجود الاستعماري طابعاً مدنياً دائماً؛ وهو ما أكده كاتس ضمنياً عندما ربط التوجيه بالزيادة المتوقعة في أعداد المستعمرين وإقامة مستعمرات جديدة وشرعنة المزارع الاستعمارية. وتقدم أحداث قصرة مثالاً عملياً على هذه المخاطر، بعدما تمكنت مجموعات استعمارية من حصار منازل فلسطينية وإقامة بؤرة قربها، ثم عادت إلى الموقع بعد إخلائها: فإذا أصبح الجيش يعتبر مثل هذه الوقائع "شأناً مدنياً" لا يدخل ضمن مهماته، من دون إنشاء استجابة شرطية فورية وفعالة، فإن الفراغ العملياتي بين الجيش والشرطة سيعمل لمصلحة الجهة القادرة على فرض واقع جديد على الأرض خلال الساعات الأولى.

  1. السيناريو المرجح

السيناريو الأرجح في الأمد القريب هو نقل جزئي وتدريجي: تتولى الشرطة أو ما يطلق عليه بحرس الحدود قيادة التعامل مع المستعمرين الإسرائيليين، بينما يحتفظ الجيش بمهماته، غير أن الأثر السياسي فوري: رسالة إلى الجنود والشرطة والمستعمرين بأن أولوية الجيش هي حماية الاستعمار لا تقييد جماعاته العنيفة.

  • نشر تعريف رسمي لـ القضايا المدنية وحدودها الجغرافية والشخصية.
  • تعديل الأمر العسكري 1651 أو قانون الشرطة، وتحديد ما إذا كانت الشرطة تبقى مفوضة من قائد المنطقة أم تعمل بولاية إسرائيلية مباشرة.
  • إنشاء القوة المخصصة وبندها المالي وسلسلة قيادتها وخريطة انتشارها، وبروتوكول دخولها إلى المنطقتين  (أ) و(ب).
  • مصير صلاحيات التدخل الأولي، وإعلان منطقة عسكرية مغلقة، وإخلاء البؤر الحديثة، وأوامر الإبعاد والتقييد الإداري.
  • الفارق بين عدد البلاغات والتوقيفات ولوائح الاتهام والإدانات، وزمن الاستجابة، وعدد البؤر التي أزيلت ثم عادت، وحالات النزوح أو فقدان الوصول إلى الأرض.

 

  1.  توصيات عملياتية
  • إعداد مذكرة موجزة للبعثات الدولية تستند إلى فقرات محكمة العدل الدولية بشأن امتداد القانون الإسرائيلي والضم وعدم الاعتراف أو المساعدة، وتطالب بفحص أي دعم أو تعاون شرطي يستخدم لمد الولاية المدنية الإسرائيلية داخل الأرض المحتلة.
  • إطلاق تحرك دبلوماسي يستهدف بنية القرار لا نتائجه فقط: من خلال إعداد حزمة قانونية وسياسية موحدة  تطالب الدول والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي باتخاذ مواقف مكتوبة من نقل الولاية المدنية الإسرائيلية إلى الأرض المحتلة. كما ينبغي مطالبة الدول بمراجعة أي تمويل أو تدريب أو تعاون تقني مع الشرطة الإسرائيلية يمكن أن يُستخدم في توسيع ولايتها داخل الضفة، استناداً إلى التزام الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني أو تقديم العون لاستمراره.
  • مواصلة وتكثيف الجهد الوطني من أجل تجميع الوقائع ضمن ملفات تثبت العلاقة بين القرار السياسي، وتغيير صلاحيات الجيش والشرطة، والامتناع عن الحماية، وإقامة البؤر أو تهجير الفلسطينيين. 

 

ملاحظة: يشكل الأمر العسكري بشأن تعليمات الأمن بصيغته الموحّدة رقم 1651 لسنة 2009 الإطار العسكري المركزي المنظّم لصلاحيات إنفاذ القانون والاعتقال والمحاكمة في الضفة الغربية، ومنه تستمد الشرطة الإسرائيلية صلاحية العمل داخل الأرض المحتلة؛ إذ ينص على اعتبار أفراد الشرطة العاملين فيها موضوعين تحت قيادة قائد قوات جيش الاحتلال في المنطقة، بما يعني أن الشرطة لا تعمل، وفق البنية القانونية القائمة، بوصفها مؤسسة مدنية ذات ولاية سيادية مستقلة، وإنما كجهة تمارس صلاحيات مفوّضة ضمن منظومة الحكم العسكري. ومن هنا، لا ينشئ توجيه كاتس اختصاصاً جديداً للشرطة من الصفر، بل يستهدف تغيير مصدر الصلاحية وسلسلة القيادة وطبيعة العلاقة بينها وبين الجيش؛ فإذا بقي النقل قائماً على التفويض بموجب الأمر 1651، سيظل القائد العسكري صاحب الولاية القانونية العليا، رغم تعمّق الأثر المؤسسي للضم، أما إذا عُدّل الأمر أو استُحدثت تشريعات تمنح الشرطة ولاية مدنية إسرائيلية مباشرة ومستقلة، فسيشكّل ذلك انتقالاً أكثر وضوحاً من الإدارة العسكرية المؤقتة إلى ممارسة وظائف سيادية إسرائيلية داخل الأرض المحتلة، ويعزز توصيف الخطوة بوصفها ضماً إدارياً وقانونياً فعلياً).